عبد الملك بن زهر الأندلسي

30

النشاط والقوة والشفاء في الأغذية ( كتاب الأغذية )

وإنما يهلك الحيوان إذا فسد مزاج أعضائه الرئيسة وخاصة القلب فباللزوجة يمتنع وصول حره ويبسه إلى باطنه فلا يفسد مزاجه إلا ببطء فلهذه العلة يكون بعض أنواع الحوت عندما يخرج إلى الهواء يموت بسرعة وبعضه يقيم حيا مدة . وهذه الرطوبة التي تمنع وصول الهواء إلى أعضائه وتدافعها عنه وتحجبه عنها وتعين على حياته في البرّ مدة بوجه آخر وهو أن كل حيوان أي حيوان . كان بريا أو كان مائيا قد جعل اللّه سبحانه في أبدانها شيئا يسميها الأطباء حارا غريزيا به يكون ما يفعل وما ينفعل في الأبدان بقدرة اللّه سبحانه . فإذا كانت في الحيوان رطوبة كثيرة لزجة وخاصة في خارجه كما للحوت امتنع هذا الحار الغريزي من الخروج والتحلل فتطول حياته في البر ولا يهلك إلا بعسر كما يكون حال اللبيس وحال السلابيح وحال ما هو من الحيتان البحرية الكثيرة اللزوجة . وربما طالت حياة الحيوان أيضا وقد قتل بوجه آخر كما يعرض في الحيات وفي الجراد . وإنما ذلك لليبس الذي خلقت به فيعرض فيها من بعد تحلل الحر الغريزي فيها ما يعرض في حجارة الجيار « 1 » . فإن حجارة الجيار لما أفرط يبسها بالنار وتكاثف جرمها وصلب بقيت ما اكتسبها النار من حرارتها في جوهرها فلا يخرج ولا نحن أيضا إن لمسناها نحس ذلك . فإن زال ذلك اليبس بأقل نداوة تحلل ذلك عنها وخرجت الحرارة التي اكتسبتها عنها وبعد مدة تبقى الحجارة باردة في طبعها كما قدر اللّه سبحانه . وحينئذ ربما استعملناها في الأكحال النافعة للعين ولأني قد خرجت عما كنت شرطت من ألّا أعلل شيئا أرجع إلى قصدي الأول وأعدل إلى ما جمح إليه نسق القول . فأقول فما كان الحيتان قليل اللزوجة فهو أجود ، وما كان منها له فلوس وحروشة فهو أحمد ، وما كان له دم أحمر خير مما يكون له دم أصفر وصغير أنواع الحوت خير من كبيره ولا يفهم من قولي هذا أن صغير نوع الحوت جدا خير من المعتدل قدّه في ذلك النوع فإني لا أقول ذلك ولا أقول إن الشبان في الحوت خير من صغير ذلك الحوت ومن مسنه . وأنا أحمد ما حمده الأطباء قبلي أن الحوت الذي نوعه صغير خير من الحوت الذي نوعه كبير . فإن الحوت المعروف بالرضراضي خير من سائر الحيتان وأعرف بالأدوية حوتا

--> ( 1 ) الجيّار : الذي يجد في جوفه حرّا شديدا . [ لسان العرب ، مادة : جير ] .